ذات ظهيرة , أغمضتُ عينيّ أملاً في أن أجد لنفسي بضع سويعات لأستريح
من حُزنٍ أصابَ القلب بعد استشهاد أحدهم , أحد أصدقائي الذين فقدتهم - أعتقد أن
عددهم أصبح يتجاوز الثلاثين – لم يَكد يرنو حُلُمي السعيد , حتى بدأ الحلمُ –
الحقيقة : صفيرُ صاروخ يهوي ليرتطم بتعبنا فيزيده تعباً و موتنا فيزيده حشرجات
مؤلمة .
" ليس مجدّداً يا ابنَ الكلب " أصيح و قد اعتراني التُراب
الذي انتفض بوجهي من أثر ضغط الانفجار , أعتقد أن مشكلتي العُظمى مع هذا النظام
باتت تُختصر في أنّه لم يتركني لأنام قليلاً و أمسحَ عن وجهي شظايا ألمٍ أخلّ
بالقلبِ و العِضال , في تلك الظهيرة سقط صاروخٌ آخر على حي المشهد في حلب و كعادتي
التي تعلّمتها من ثوار هذه المناطق الفقيرة المُعدَمة المنسيّة : أنتَخي .
ما من داعٍ لأغير ملابسي أو أسرح شعري أو أملأ جسمي برائحة بارفان ما
, لستُ في باريس و لن أخرُج للقاء صديقتي , أنا في حلب و تحديداً في المشهد , هنا
يومٌ آخر من أيام الفاجعة السوريّة يمرّ دونما تغيّر أو استبدال : موتٌ يحاصرنا و
نحاصره , يقتلنا و نقاومه , يهزمنا فنعيدُ إنتاج ذواتنا و نعوّد الروح على الكوارث
, ألبس " الكلاش " متأملاً في قدرته على الاستمرار في حملي , لن يحملني
إلى البعيد , بضع مترات كانت تفصلني و " كلاشي " عن موقع ارتطام الصاروخ
بالبنائين الذين كانا هنا قبل قليل !
حسناً , لم ألعبْ في هذا اليوم دور الإعلامي الذي تحاول عدسته أن
تلتقط مزيجاً من صرخات و جثث و دماء و حجارة تنتشر في الشارع كعصافير ميتة برع
صيّادها في اقتناصها واحداً تلوَ الآخر , لحظاتٌ و أنا أقف بعيداً كمتفرّج أجنبيّ
مرّ مصادفة على محطة تلفزيونية شرقيّة تتخصص في عرض أهوال الشرق و حروب الشرق و
مجرمي الشرق المقدّسين المميّزين أصحاب النظرات الحديدية و الأنظمة الحديدية و
القضبان التي اتّسعت ورائها شعوباً بأكملها , فكّرت في أن هذا هو الوقت المناسبُ
لسيجارة " جيتان " لولا أنّ أحداً لا أعرفه و لن أعرفه لأن وجهه كان
ملطّخاً بمزيجٍ فنّي من لون أحمر و آخر رمادي اقترب منّي و هو يصرخ : " مجنون
! ما شامم ريحة الغاز ؟ " كان يتكلّم العربية التي أفهمها , أعادني هذا
المعتوه إلى الواقع الذي حاولتُ أن أهرب منه عن طريق هذا التبغ الأجنبي , و معه
عادت إليّ الصورة التي كانت مشوّشة – و هو ما كان مريحاً و أنانياً – إذاً هي
رائحة الغاز التي تنبعث من تحت الرُكام , فالمبنى كان يحوي على الأقل سبع عائلات
ممّا يعني أنّ سبع جرات من الغاز هي أيضاً تقيم معهم تحت الأنقاض و تصرخ كما
يصرخون و تختنق كما يختنقون , ثمّ تفيض روح جرة الغاز كما تفيض الروح البشرية و
تنبعث في الجو رائحته الخانقة القاتلة , حسناً إن المتفجّرات التي أطلقها الصاروخ
كانت تقتل أكثر .
أستمرّ في التحلّق بعينيّ حول المكان البغيض , سيارات الاسعاف كانت قد
أتت , لنقل الموتى إلى مقابرهم فـ " إكرام الميّت دفنه " لكنّ إنقاذه
قبل موته لا يعني لأحدٍ شيء , و من سينقذه بجميع الأحوال ؟ أصحاب المعايير
المزدوجة ممّن يتشدّقون بالتدخّل الأخلاقي لحماية المدنيين ( المدنيين الذي
يختارونهم ) ؟ لن يحميكَ أحدٌ أيها السوري , فأنتَ كما لم تكُن من الأساس , عِش
بصمتٍ و مُتْ بصمتٍ و لا تُزعج أحداً بصوت صدرك و هو يلفظ روحك في الهواء , جثّة
أخرى استطاع النبّاشون إخراجها من بين الرُكام , النبّاشون الذين انضممت إليهم
فيما بعدُ و بدأت أحفرُ بيديّ موغلاً إياهما في الحجارة و الحديد و الخشب و القماش
و الزجاج و كل ما أراه أمامي لعلّي أصل إلى بشريٍّ ما , يتنفّس , لأمسك بيده و
أسحبه إلى الأعلى لأقول له " الحمد لله عالسلامة " مع ابتسامة جميلة
تلكَ التي يجب أن تُعطى للزبون في فندق خمس نجوم مرافقةً لقهوته الصباحية – لم
أجده – لكنّي وجدتُ حسن ابن العشرين ربيعاً و قد أصيب في كتفه و رأسه الذي تمخّضت
عنه سيول دماءٍ لم يكن ليشعر بها لأن أباه كان تحت – فليسقط هذا العالم - يأكل حسن
رُكام البناء بأسنانه , يمضغه ثم يرمي به على شكل بصقة تصيب وجوه كلّ من أوصلوه
ليختبر لحظات كهذه , " أبي , مَن علّمني الحياةَ حرفاً فاختبار , من كّلما
تعثّرتُ مدّ كفّه ليمسك بي قبل السقوط الأخير : تعلّم كيف تُعاشُ حياتنا البائسة
يا ولدي "
تمنّيتُ لو أنّ حسن وجدَ راحة إحدى يدي أبيه فيردّ له الجميل , لكنّ
أبو حسن كان قد ابتسمَ قبلَ الشهقة الأخيرة و قال : " هنا مرقدي و الآن سأموت
الميتة الأخيرة " , سوريٌ آخرُ يلفظ روحه , لا جديدَ في هذه الحياة – الموت .
فوضى الجريمة اللحظيّة تكادُ لا تفارق مسامعي , العويلُ الموجع و
الأحمر القاتم الذي يسيرُ مختالاً كالنيل و الغُبارُ الكثيفُ كثورة شعبية , حشرية
المصوّرين المستفزّة , شتائم موالي النظام للثورة و عسكرها , بُصاق معارضي النظام
الموجه للمجتمع الدولي , تكبيراتٌ يتخلّلُها تلفّظٌ بالكُفر , مؤمنون بسيطون
تطرّفوا , أو ما عادوا مؤمنين , مطعم الفلافل الذي أضحى كومةً من رماد ( كانت
الفلافل المفضّلة ) و مالكُهُ صاحب الابتسامة الأجمل في الحارة الذي علمتُ أن ضغط
الانفجار قد وضع حداً فورياً لحياته الرخيصة .
كم خسرنا في ذاك اليوم ؟
-
خمسةٌ و
أربعون .
-
خمسةٌ و
أربعون ماذا ؟
-
خمسةٌ و
أربعون جميلاً , و أباً و ابناً و طفلاً و شجرةً و حجراً و حياةً و يوماً , خمسةٌ
و أربعون رقماً , خمسةٌ و أربعون وطناً
-
و ماذا
بعد ؟
-
لا أدري
تماماً , أعتقدُ أنّ دورنا لم يحِنْ في ذلك اليوم , فانتظر , و حتى يحين دورُك ,
يجب عليكَ أن تموت كثيراً و لا تُحصي أرواحاً لك , فالروح الأخيرة هي تلكَ التي
سترافقها ضحكَتكُ الفاتنة , و من ثمّ سيقولون : سبحان الله ! ابتسمَ عندما رأى
مقعده في الجنّة , لكنّهم لا يعلمون أنّك ابتسمتَ عندما تخلّصتَ من مقعدكَ في هذه
الجهنّم الأرضيّة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق