الأربعاء، 26 فبراير 2014

توقّعات الأبراج ( برج اللَّقْلَقْ )



توقّعات الأبراج ( برج اللَّقْلَقْ )
مع الفَلَكي السوري : عارف حاج يوسف

مهنيّاً : نجاحٌ باهرٌ سينتظرك لكن على بلدك أن تكون في حالٍ أفضل فإنك تبني مستقبلاً صلباً كالصخر الذي لا يدمّره إلا صاروخ سكود أو برميلٌ متفجّر , لا تتّخذ أي قرارٍ جديد قبل أن تتأكّد أنه سينَفّذ في منطقة محظورة الطيران , تواصَل مع الشجاع الذي يسكُنكَ لكن لا تتهوّر , فالموت الذي يحيط بكَ قد يسبقُك إلى مشروعكَ و يدرّ المال عوضاً عنكَ
عليك أن تتجنّب القانون .. أو .. لا قانونَ هنا لتتجنّبه .. فانجُ بما استطعت من الدماء و اصعد لتراقبَ الطَقس , هل هو ملائمٌ للقصف ؟
قد تجد من يساعدكَ , الحقْ به و خبّئهُ قبل أن تخطفه إحدى الجهات – الأشخاص - المجهولة و تقوده إلى جهة – مكان – مجهولة , و عندها استفدْ منه قدرَ المُستطاع , ثم اعتذر , فقد يمارس عليك أشد أنواع النميمة
حاول أن تنظر إلى الأمور بتشاؤمٍ حذِر و لا تتفاجأ إن خسرتَ كُلّ شيءٍ : فالحال طبيعيٌّ هنا و عندما تعثرُ على وجهة نظرٍ صائبة .. دوّنها على حائط مقرّ داعش .. لأنها ستُقصفُ حتماً إن كتبتَها على حجارة المئذنة , أو حتى على جدارك الافتراضي في فيس بوك !
هناك إيجابياتٌ .. صحيح .. لكن إيّاك أن تُخدَع.. فالعطشُ إلى الحياة سيجعلك ترى قصوراً من سعادة مشيّدةً أينما ذهبت .. تقول صديقتي مرسيل : انظُر إلى نصف الكأس المُمتلئ .. و أضيفُ : و انظر أيضاً إلى نصفه الفارغ , حسناً .. زياد يقول أن الكأس – فيزيائياً – ممتلئٌ دوماً , لا تُصغِ إليه فهو يحاوِلُ فقط أن يكسِرَ الروتين .
يُضفي عليكَ هذا الشهر رونقاً خاصاً , ربّما عملٌ جديد سيتطلّبُ منك أن تدخُلَ حدود المِحرقة ثُمّ أن تستشهد , كُن ذكيّاً و اخدعهم : ابدأ بهذا العمل , لكن لا تستشهد !

عاطفيّاً : تصرُّفات الحبيب الجميلة قد تدفعكَ للانتحار , احتمِل قليلاً و لا تنتحر , فقد تموتُ شهيداً بعد بُرهة و تكسَبُ الأجرَ و الثواب , اضبط أعصابك على الساعة التاسعة , و نَمْ .
قد تمرّ ببعض النزاعات العائلية مع الأهل بسبب العلاقة مع الحبيب , أنصحُكَ هُنا بالالتحاق بالجيش .. أو الجيش الحُر .. أو حزب الله , لا فرق .. مهمٌ جداً أن تكون فقط على خط الجبهة مدافعاً على الوطن – أيّ وطن - !
عندما يخرج قلبُك في تظاهرة مطالباً بالحُب .. اقمعهُ بالعُصيّ و الغاز المسيل للدموع .. فإن لم يستجِب فبالرصاص المطاطي .. فإن لم يستجب فحاصرهُ بجيشٍ من الأحقاد .. فإن لم يستجب لا تُطلق عليه الرصاص و القذائف .. كي لا تمُتْ يا أبله !
إيّاكَ ثُمّ إياك و أن تكونَ وحيداً في خضمّ هذه الحرب الضروس , فأنت بأحوج ما تكون إلى حبيبٍ يواسيك و تواسيه , تفرح لفرحه و تحزنُ لحزنه و تموتُ لموته ! إن غيّرتَ رأيك بعد الجملة الأخيرة فأعطيك كلّ التأييد , كُن وحيداً يا بُنيّ .
فإذا أخطأتَ و تزوّجت فلا تُقمْ شهر العسَل إلا في مدينة الرقة , الحياة هناكَ سعيدةٌ سوداء : و الأسودُ يليق بكُما ! تحتاجُ فقط إلى ورقة تُثبتُ أنكما زوجَين مترجمةً إلى الروسيّة و اللهجة الخليجية , سأقول جملةً طائفيّة : إن لم تكُن مُسلماً – و لَو في قرارة قلبِكَ – فلا تذهب إلى الرقة , و لا تتزوّج إلّا في قبرص !
لا تكُن متعدّد العلاقات , فالقلبُ لا يهوى إلا فرداً أحداً , إلا إذا كُنتَ ناشطاً علمانياً مُتحرراً أو ناشطةً علمانيةً مُتحررةً فلا أنا و لا بشار الأسد قادرون على ردعك عن التعدّد – الثقافي –
للمُرتبطين أقول : قولوا لأحبّائكم عندما تسافرون إلى حلب أنّكم ذاهبون إلى باريس في عَمَلٍ ضروري , أو إلى مكّة لأداء مناسك العمرة , أو إلى مدريد لمتابعة الأسابيع الأخيرة من الليغا الإسبانية , فإن مُتّ سيحبّونكَ أكثر , لأنك كذبتَ لألّا يعيشوا تحت ظلّ وافرٍ من شجرة خوف !
للعزباء أقول : قد تتعرّف إلى حُب حياتك .. لكن حاول ألّا تفعل .

صحيّاً : لا تقع ضحية اضطراباتٍ نفسيّة , لأنّ الوضع الداخلي في بلدكَ لا يسمحُ أبداً بذلك , فإن شاهدتَ طائرة تذكّر أنك كنتَ تفرح لرؤيتها في الصغر , فإن أصابتك شظيّة , أو استقبلتَ البرميل بين أكتافك .. ستموتُ دونَما اضطرابات نفسية .. إنه نصفُ كأسٍ ممتلئٌ آخر !
لا تُقترب من المشروبات الروحيّة و أكثر من الحشيش ( السبب هنا واضح )
ساعِد أصدقائك على تخطّي أزماتهم الصحيّة فقد تحتاجهم يوماً عندما ستضطر إلى مساعدة أحدهم ليحمِلْكَ إلى التواليت .. أو رُبّما ليُحضِر لك التواليت النقّال
قد ينتابك شعورٌ بالكآبة .. لا تكترث .. هذه فترةٌ مرحليّةٌ عابرة .. الحقيقة هي أنّ : حياتُك سعيدةٌ مستقرّةٌ آمنة , مليئةٌ بالأفراح .. لن أكذب : تتخلّلها بعض الشوائب .. لن أكمِل هنا لألّا أتعرض للضرب أو ربّما لجريمةٍ ضد الإنسانية .
استعض عن الدسم و اللحوم بالخضراوات و الفاكهة و أقلعْ عن التدخين و أصلِح مِدخَنَة سيّارتك لأنها تلوّث الهواء و ساعد عُمال النظافة على القيام بواجبهم : احزم كيس القمامة جيّداً ثمّ ارمه في أقرب حاوية – غير متفجّرة – ( مع تحيّات وزارة الصحّة )
مارِس رياضات التزلّج على الثلج و ركوب " الموجة " و الكرة الطائرة .. لا تُمارس رياضة القفز المِظلّي كي لا يحسبوكَ شبيحاً يقوم بإنزال مظلّي للسيطرة على باب النيرب
و إن كُنتَ تأكُلُ من بيت الفلافل في حي المشهد .. فاستمر .

ثوريّاً : افعل ما يُمليه عليك ضميرُك , لكن تذكّر : لم تصِل إلى هذه الوظيفة المُحترمة لو لم يكن هنالك ثورةٌ في بلدك , و تذكّر جيّداً ذلك عندما تهذي : ( لم يعُد هناك ثورة ) .. فابتعد عنها حالاً و اعمَل كأيّ سوريٍّ بسيطٍ آخر في البلاط و الدهان و التمديدات الصحيّة .. سيحترمك الناس حينها
كُن صاحب مبدأ .. فالثورة : مبدأ .

السبت، 15 فبراير 2014

سائحٌ حلبيٌّ يزور حلب

سائحٌ حلبيٌّ يزور حلب
في حلب تمرّ الليالي كما يمرّ الشهداء في مخيّلة من فقدهم :
خاطفةً حيناً و مؤلمة أحياناً
( النص منشور في جريدة " كُلّنا سوريّون " العدد 0 ) بتاريخ 15/2/2014

عارف حاج يوسف

القلب ينبض في مكانٍ غير مكانه، الروح تمتلئ بصراعات داخلية بين الخوف والشجاعة والعزم، والعقل مشغولٌ بالبحث عن الفرق بين الحقيقة والخيال، الأراضي السورية على مرمى حجر، والمجهول ينتظرنا ليسرق منا شيئاً، أتمنى أن يكون رخيصاً، كبطاقة هويتي السورية مثلاً!
ثقيلٌ يمرّ الوقتُ كأنه ريحٌ مُحمّلةٌ بذكريات أيامٍ خَلَت، بقذيفة الهاون التي سقطت فحصدت، بسهرةٍ في الزبدية على ضوء شمعةٍ لم تنطفئ.. وثلاثة كؤوسٍ من الـ "ميراندا" لعدم توفّر المشروبات الأخرى، بمظاهرة تهتف ما يردد أبو مريم "إسلام ومسيحية بدنا نبيد الأسدية" ورقصة المتكاتفين.

وطنٌ ومُخيّم:

تُركيٌّ من "الجاندرما" أو حرس الحدود يدمغ على جواز سفري ختماً معلناً خروجي من بلده ودخولي إلى الوطن ـ المحرقة - على مرآنا علمُ الاستقلال السوري ذو الثلاث نجمات ولغة الضاد بدأتُ أيضاً أسمعها بكثافة، سنتّجه إلى المُخيّم حيث تقيمُ التغريبة السورية في أبهى حِللها.. أطفالٌ يلبسون "جزمات" لتقي أرجلهم الصغيرة من الوحل والطين يقفزون أمام كاميرتي علّي ألتقط لهم صورة وأعرضها على "الجزيرة"، إنه مخيم باب السلامة حيث اعتاد النازحون على ما هم عليه، فهم النازحون المُخضرمون (كيف يعيش هؤلاء هنا؟) هرِمٌ هذا المخيم كقاطنيه الذين مرّ على وجودهم سنة ونصف، على الطابور الطويل يصطفّ الأطفال حاملين بأيديهم الخشنة ـ بعد معيشة العراء ـ صحوناً وطناجرَ فارغة ليملؤوها ببعض الغداء، لقد كسب يوسف المعركة مع الصغار فقد استطاع اقحام نفسه في مقدّمة الطابور وتعبئة ما حمل ببعض الرزّ والخبز فهو كما قال لي: "جائع، ولا يريد أن يصطف في الطابور الطويل لألّا يموت من الجوع قبل وصول دوره".
مدرسةٌ إبتدائية داخل القماشة المهترئة، سوقٌ للخُضار والفاكهة وبائعٌ للمازوت، عاملٌ في صيانة الهوائيات (الدشّات)، بقالية داخل إحدى الخيم قسمها صاحبها إلى قسمين، قسمٌ للعمل والبيع والباقي للعائلة والنوم (لكم أن تتصوّروا كم تبلغ مساحة الباقي) وباقةٌ من الظروف المعيشية السيئة كانوا قد اعتادوا عليها كأسلوب حياة وأخشى ما أخشاه أنّهم ألِفوها لكونها بيوتهم الجديدة بعد أن خسروا بيوتهم التي صنعوها من حجر وبلاط واسمنت في مدنهم وقُراهم.
في المخيّم الآخر - الجديد - بالقرب من قرية شمّارين الحدودية الذي جُهّز ويجهّز خصّيصاً للنازحين الجدد من مدينة حلب بعد هولوكوست البراميل الذي أحرق الحجر والشجر والبشر، فخرجوا تحت وابل الموت المُتساقط الذي يشبه المطر حرفياً، لم أستطع تفسير نظراتهم إليّ وإلى المتطوّعين في العمل الإنساني وإلى المُخيّم وإلى السيارات التي تأتي بالمعدّات لتجهيز المخيم الجديد، أظنّهم كانوا يفكرون : "هل سنقضي ما تبقّى من عُمرنا هنا؟ في هذه الأرض الترابية التي ستتحول لطينيّة قريباً؟ وبيوتنا التي تركناها خلفنا؟ ألن نعود؟" نتحدّث قليلاً إلى المسؤول التنظيمي فيقول: "يوجد ألفَي نازح حتى الآن والمتطوّعون يصلون الليل مع النهار من أجل تجهيز المُخيّم بالكامل، القدرة الاستيعابية تصل حتى سبعة آلاف نازح" ثم يتابعُ رداً على سؤالٍ من أين ستأتون بالخمسة آلاف نازح؟: "سيأتون، لا تخف!"

مدينة الأشباح والأنقاض:

سيلتفّ أبو أحمد سائق التكسي بسيّارته حَوْل مدينة اعزاز لألّا يمرّ منها وهي تقع تحت سيطرة داعش، لأن داعش كما قال أبو أحمد: "متلها متل النظام!"
بدأت أسئلتي السياحية، فالمدينة التي أنتمي لها يُمكن أن تتغيّر كُلّياً بين ليلة و ضحاها، لذا فالشهران اللذان قضيتهما خارجها كانت كافية لتحويلي إلى صحفي أجنبيّ يدخل إلى سوريا للمرة الأولى بهواجس خوفٍ وقلقٍ وحذرٍ وفضول: "هل يقصف الطيران الريف أيضاً؟ ما هي نسبة الخطر في المدينة ليلاً؟ ما هو العدد التقريبي للبراميل المتساقطة يومياً؟ كم بقي من المدنيين؟ ما هذا الصوت؟!"
عند حاجز لـ "لواء التوحيد" أحد أكبر الألوية المقاتلة في حلب، والذي يخوض حرباً مزدوجة ضد النظام وداعش، تقدّم إلينا أحد الشباب صغار العُمر ليطلب بطاقات الهويّة وعندما مددنا أيدينا باتجاه جيوبنا قال: "ما في داعي.. الله معكم.. شوية تشديدات أمنية.. لا تآخذونا!"
في حلب يُمكنني أن أصف ما رأيته بأنه "الكارثة" أحياء الحيدرية والشعار وطريق الباب خاوية على عروشها إلا ممّن لا يمتلكون مكاناً ينزحون إليه أو بقوا لأنّهم يُفضّلون الموت في بيوتهم على أن يقتلهم برد المخيّمات كحال عائلة أبو أحمد سائق التكسي التي بقيت في حي الحيدرية الذي يُقصف يومياً: "أفضل كرامة الموت في بيتي على الذلّ خارجه، والله هو الحامي" تمديدات المياه الأرضية قد أصابها صاروخ طائش فانطلقت المياه في تظاهرات عمّت شوارع الحي ولم تجد من يقمعها! حسناً.. من أجل الإنصاف: كانت الكهرباء متواجدة، استغربتُ من وجودها، فكيف يقصفونهم بالبراميل نهاراً ويمنّون عليهم بالكهرباء ليلاً؟ أم أنّه أحد مشاريع الدعم النفسي!
في القسم الغربي من القوس المحرر يبدو الوضع أفضل حالاً، فأحياء المشهد والأنصاري والسُكّري كانت قد قُصفت أيضاً، لكن الفرق بين خمسة براميل وعشرة هو شاسعٌ ولم يدفع الجميع إلى النزوح، كان جليّاً أن الأمان الليلي أصبح أكثر من نظيره النهاري لذا فنشاطات البيع والشراء والتبضّع والزيارات العائلية وألعاب الأطفال والمواعيد الغرامية تتمّ ليلاً، بضع قذائفَ من الهاون تُعتبَر هنا شكلاً من أشكال الحياة الطبيعية الخالية من القصف!

ما بين موتٍ وموت.. وبادرة حياة:

في حلب تمرّ الليالي كما يمرّ الشهداء في مخيّلة من فقدهم: خاطفةً حيناً ومؤلمةً أحيان، في حلب أقوى على الحياة.. رُبّما الحياة الطبيعية لم تعُد مُلائمة لمن اعتاد الحياة في الحرب، رأيتُ هذه المدينة وأراها في عيون من صمدوا: السائق أبو أحمد المُقاوم للموت، مقاتلون بذلوا الأرواح في سبيل الحرية من كل أنواع الديكتاتوريات، أطباء وممرضون آثروا كلّ شيءٍ على وظائف في بلدان أخرى آمنة وبرواتب باهظة، إعلاميّون وصحفيّون لم يصبهم اليأس، نشطاء الإغاثة والخدمات، بيت الفلافل: المطعم الأفضل في الجزء المحرر و الذي استمرّ استمرار الثورة.
في حلب: للحديث بقيّة ـ طويلة حتماً ـ.