عندما هوى ذاك
الصاروخ مارّاً فوق رؤوسنا مستقراً في قلوبنا كنّا قد أنصتنا جيّداً للغة البطش
التي تعلّمنا أبجديّتها حرفاً فرواية على يد حُكّام هذه البلاد , و كنّا قد قرأنا
في عيونهم أنّهم سيذيقوننا طعم الموت أكثر مرّة , حتى نحلمَ أن نموت كما يموت
الميّتون , مرّة واحدة .. و للأبد .
نياماً كنّا و يا
ليتنا لم نستيقظ و لم نسمع ضجيج الحجارة و هي تتكسّر فوق رؤوس من ناموا بقُربنا ,
جياعاً كنّا لحياةٍ تهبُنا القليل من الهدوء و الكثير من الأمنيات , وحيدون في
منفانا الذي سُمّي مجازاً " وطن " , أيتامٌ لم نحلم بأكثرَ من كسرة
كرامة و بضع أغانٍ عن الحرية .
هوى ذاك الصاروخ
فاهتزّت عروش قلوبنا خوفاً و لم يهتزّ رمشُ من أطلقه و من دعمه و من سكتَ عنه و من
أطلَقَ العنان لأفكاره ليكتبَ " ورقة حلٍّ سياسيّ للأزمة في سوريا "
دقائقٌ و كنتُ كمَن
أتعبته الصدمة فمات من العطش : أيقظني أحمرٌ قاتمٌ ينزف من رأس طفلٍ حمله أبوه إلى
المشفى و هو لا يقوى على الكلام ولا أعلم كيف استطاعت يداه حمل طفله و كيف استطاعت
قدماه حملهما سويّة , هل صيّرنا الله أقوياء إلى هذه المرحلة ؟
بمَ كان يفكّر صاحب
اليد التي اخترقتها شظيّة فحوّلتها إلى نصفين طوليّين فحملها باليد الأخرى و هرع
إلى من قد يعيدُ ترتيبها و هو يصرخ : يدي ! و تجحظ عيناه كلّما نظر إليها ؟
ثمّ من أينَ أتتني
الشجاعة بغتةً لأحمل كاميرتي و أهرول تلك الأمتار القليلة التي فصلتني عن تشظّي
الصاروخ في الحجارة و الأجساد ؟
أحذيةٌ على باب
المسجد كان أصحابها يهمّون بالخروج .. و لسان حال أحدهم يقول : " ترى ماذا
يشتهي الأطفال على مائدة الفطور اليوم ؟ سأشتري لهُم الفولَ فاليوم جمعة "
حُمل الأبُ المفلس من دمه إلى أقرب مقبرة و بقي حذاؤه كما بقي الفول ساخناً حتى
يومنا هذا .
عبد الرحمن الصغير
يقبع في المركز السُفلي تعتليه حجارة بيته محاولةً ألّا تكونَ سبباً في قتل من
عاشت معه خمسة عشر عاماً , و قتيبة ( الأخ الكبير لعبد الرحمن ) يراقبُ المساحة
الجغرافية لمن كان يسمّى بيته .. بما فيها من صُراخ و بكاء و متطوّعين يحملون
الحجرَ تلو الآخر و أطبّاء و مسعفين و مصوّرين و لصوص و آليات دفاع مدنيّ و شمسٍ
حارقة لم تعد حارقة بعد ما اخترقها الصاروخ و دماء و جرحى و ناجين و ميّتين و
مسلّحين و سياراتِ إسعاف .. ثمّ أخيه الذي كان نائماً هنا قبل أن يهوي مع فراشه و
وسادته إلى مكانٍ ما زالوا يحاولون اكتشافه .
لمن سأصوّر ؟ هل
سيبكون كما بكيتُ كلّ صورة أخذتُها ؟ كل تفصيلٍ رأيته ؟ كلّ جُرحٍ سال على مذبح
الإنسانية ؟ أم أنّ الصور ستكون كما كانت على الدوام : مادة فنيّة لها حقوقُ نشرٍ
و مُشتري و مشترك و جريدةٌ تريد أن تزداد مبيعاتُها مع كلّ عدد جديد ؟
كانت الكاميرا تبكي
مع كلّ صورة تحفظها في ذاكرتها التي خزّنت الكثير من السواد , كأنّها تقول : هل
كان ضيراً أن أخلَقَ لألتقط صوراً تذكاريةً لعائلة سعيدة في بيتها الجديد ؟ أو
صوراً لأطفالٍ يغشَون ضحكاً في حديقة ألعابٍ كهربائية ؟ يا لحظّيَ العاثر : صُنعتُ
في اليابان لأُرسَل إلى سوريا !
" عطشى نحنُ و
مظلومون " كنتُ أهذي و أنا أتنقل بينَ تفاصيل المجزرة , أسرقُ نظرةً إلى
عَينَي قتيبة فأجدهما مُستغرقتان في الدوران حولَ سحابَة أمل صيفيّة : كُن حيّاً
يا عبد الرحمن .. جاهد قلبَك يا أخي ليعمل .. ستنجو و نصعدُ معاً إلى بيتٍ آخر
ريثما نُعيد تركيب أحلامنا هنا
إلامَ تنظرون ؟ حلّق
الموت فوقَنا كما تُحلّق السنونو فوق الفُرات على مقربة من سطحه منتظراً فريسةً
حمقاء
من أينَ تأتي الحياة
؟ السماءُ لم تعُد تبشّر بالمحبّة و لن ترسِل المسيحَ إلينا , حذارِ من السماء فمن
هناك أتى الصاروخ , و من هُناك ستسقط البشرية جمعاء على مجزرة شعبٍ ماتَ جسداً أو
روحاً أو أملاً
ماذا تنتظرون ؟ خبراً
ساراً كما في نهاية الأفلام الأمريكية ؟
إليكم الخبر الأخير :
مات عبد الرحمن ابن الخمسَ عشرة ربيعاً , فكاد قتيبة أن يموت حُزناً , لكنّه لم
يفعل و آثر الموتَ بطريقة أخرى : ليست تراجيديا سوفوكليس .. مات قتيبة أيضاً بعد
فترة على يدّ أحد السفّاحين الذين امتلأت هذه الأرض بهم .
" قُلْ لي أيّها
الموتُ متى تنتحبُ الأحلام "
عن مجزرة بستان القصر
, ظهيرة يوم جمعة
16/8/2013
إلى الشهيد الطفل عبد
الرحمن محمد , و الشهيد البطل قتيبة محمد .