الأحد، 30 مارس 2014

صاروخٌ أودى بنا



عندما هوى ذاك الصاروخ مارّاً فوق رؤوسنا مستقراً في قلوبنا كنّا قد أنصتنا جيّداً للغة البطش التي تعلّمنا أبجديّتها حرفاً فرواية على يد حُكّام هذه البلاد , و كنّا قد قرأنا في عيونهم أنّهم سيذيقوننا طعم الموت أكثر مرّة , حتى نحلمَ أن نموت كما يموت الميّتون , مرّة واحدة .. و للأبد .

نياماً كنّا و يا ليتنا لم نستيقظ و لم نسمع ضجيج الحجارة و هي تتكسّر فوق رؤوس من ناموا بقُربنا , جياعاً كنّا لحياةٍ تهبُنا القليل من الهدوء و الكثير من الأمنيات , وحيدون في منفانا الذي سُمّي مجازاً " وطن " , أيتامٌ لم نحلم بأكثرَ من كسرة كرامة و بضع أغانٍ عن الحرية .

هوى ذاك الصاروخ فاهتزّت عروش قلوبنا خوفاً و لم يهتزّ رمشُ من أطلقه و من دعمه و من سكتَ عنه و من أطلَقَ العنان لأفكاره ليكتبَ " ورقة حلٍّ سياسيّ للأزمة في سوريا "

دقائقٌ و كنتُ كمَن أتعبته الصدمة فمات من العطش : أيقظني أحمرٌ قاتمٌ ينزف من رأس طفلٍ حمله أبوه إلى المشفى و هو لا يقوى على الكلام ولا أعلم كيف استطاعت يداه حمل طفله و كيف استطاعت قدماه حملهما سويّة , هل صيّرنا الله أقوياء إلى هذه المرحلة ؟
بمَ كان يفكّر صاحب اليد التي اخترقتها شظيّة فحوّلتها إلى نصفين طوليّين فحملها باليد الأخرى و هرع إلى من قد يعيدُ ترتيبها و هو يصرخ : يدي ! و تجحظ عيناه كلّما نظر إليها ؟
ثمّ من أينَ أتتني الشجاعة بغتةً لأحمل كاميرتي و أهرول تلك الأمتار القليلة التي فصلتني عن تشظّي الصاروخ في الحجارة و الأجساد ؟

أحذيةٌ على باب المسجد كان أصحابها يهمّون بالخروج .. و لسان حال أحدهم يقول : " ترى ماذا يشتهي الأطفال على مائدة الفطور اليوم ؟ سأشتري لهُم الفولَ فاليوم جمعة " حُمل الأبُ المفلس من دمه إلى أقرب مقبرة و بقي حذاؤه كما بقي الفول ساخناً حتى يومنا هذا .
عبد الرحمن الصغير يقبع في المركز السُفلي تعتليه حجارة بيته محاولةً ألّا تكونَ سبباً في قتل من عاشت معه خمسة عشر عاماً , و قتيبة ( الأخ الكبير لعبد الرحمن ) يراقبُ المساحة الجغرافية لمن كان يسمّى بيته .. بما فيها من صُراخ و بكاء و متطوّعين يحملون الحجرَ تلو الآخر و أطبّاء و مسعفين و مصوّرين و لصوص و آليات دفاع مدنيّ و شمسٍ حارقة لم تعد حارقة بعد ما اخترقها الصاروخ و دماء و جرحى و ناجين و ميّتين و مسلّحين و سياراتِ إسعاف .. ثمّ أخيه الذي كان نائماً هنا قبل أن يهوي مع فراشه و وسادته إلى مكانٍ ما زالوا يحاولون اكتشافه .

لمن سأصوّر ؟ هل سيبكون كما بكيتُ كلّ صورة أخذتُها ؟ كل تفصيلٍ رأيته ؟ كلّ جُرحٍ سال على مذبح الإنسانية ؟ أم أنّ الصور ستكون كما كانت على الدوام : مادة فنيّة لها حقوقُ نشرٍ و مُشتري و مشترك و جريدةٌ تريد أن تزداد مبيعاتُها مع كلّ عدد جديد ؟
كانت الكاميرا تبكي مع كلّ صورة تحفظها في ذاكرتها التي خزّنت الكثير من السواد , كأنّها تقول : هل كان ضيراً أن أخلَقَ لألتقط صوراً تذكاريةً لعائلة سعيدة في بيتها الجديد ؟ أو صوراً لأطفالٍ يغشَون ضحكاً في حديقة ألعابٍ كهربائية ؟ يا لحظّيَ العاثر : صُنعتُ في اليابان لأُرسَل إلى سوريا !

" عطشى نحنُ و مظلومون " كنتُ أهذي و أنا أتنقل بينَ تفاصيل المجزرة , أسرقُ نظرةً إلى عَينَي قتيبة فأجدهما مُستغرقتان في الدوران حولَ سحابَة أمل صيفيّة : كُن حيّاً يا عبد الرحمن .. جاهد قلبَك يا أخي ليعمل .. ستنجو و نصعدُ معاً إلى بيتٍ آخر ريثما نُعيد تركيب أحلامنا هنا

إلامَ تنظرون ؟ حلّق الموت فوقَنا كما تُحلّق السنونو فوق الفُرات على مقربة من سطحه منتظراً فريسةً حمقاء

من أينَ تأتي الحياة ؟ السماءُ لم تعُد تبشّر بالمحبّة و لن ترسِل المسيحَ إلينا , حذارِ من السماء فمن هناك أتى الصاروخ , و من هُناك ستسقط البشرية جمعاء على مجزرة شعبٍ ماتَ جسداً أو روحاً أو أملاً

ماذا تنتظرون ؟ خبراً ساراً كما في نهاية الأفلام الأمريكية ؟

إليكم الخبر الأخير : مات عبد الرحمن ابن الخمسَ عشرة ربيعاً , فكاد قتيبة أن يموت حُزناً , لكنّه لم يفعل و آثر الموتَ بطريقة أخرى : ليست تراجيديا سوفوكليس .. مات قتيبة أيضاً بعد فترة على يدّ أحد السفّاحين الذين امتلأت هذه الأرض بهم .

" قُلْ لي أيّها الموتُ متى تنتحبُ الأحلام "

عن مجزرة بستان القصر , ظهيرة يوم جمعة 
16/8/2013
إلى الشهيد الطفل عبد الرحمن محمد , و الشهيد البطل قتيبة محمد .