الثلاثاء، 21 يناير 2014

رأسُ سنةٍ دَمَوي

رأسُ سنةٍ دَمَوي
منشور في جريدة صدى العدد 24 بتاريخ 21/1/2014

عارف حاج يوسف - حلب

ليلةٌ باردة، ضبابٌ يحول دون استنباط ماهية الأفق، الليلة الأخيرة من سنة 2012، ليس في بالنا أيّ مشروع احتفالي – طبعاً – فنحن في المناطق المحررة التي افتقدت لمقومات الحياة قبل أن تفقد الترفيه، اقترحتُ على مالك أن نمرّ في طريق عودتنا على أحد المشافي الميدانية ليأخذَ حقنة مضادة للكريب الذي كان يشعر بولوجه إلى جسمه تلك الليلة، فالحُمّى - يا مالك - لا يجب أن تُتَجاهل.
الفاجعة:
سبقت مالك ببضع خطوات إلى المشفى، و هناك رأيتهم، خيطٌ من سراب مرّ أمام ناظريّ، ودمٌ يغطيهم، صراخهم يعلو ليلامس سقف الألم، كنت قد علمتُ أن فعالياتٍ للأطفال ستُقام في حي طريق الباب ، لكنّني لم أذهب " لسببٍ لا أذكره "، صرخةُ " هي يالله ما منركع إلا لله " صدحت من حناجرهم قبل أن يقرّر الطيّار أن يرميهم بقنابل عنقودية، ويرميهم كالفِراش على التراب المضمّخ بالبرودة.
شريط من ذكرياتي مع كلّ منهم جعلني أتوه بين احتمالات نجاتهم وأنين جروحهم، عبد الله ببنطال أخضر إسعافي لُطِّخ بأحمره القاتم، وعليا تتحسّسُ رقبَتها النازفة، زياد ويزن مِلاءٌ بحدائد ساخنة اخترقت جسديهما فافترشا بلاط الوجع، مجدي و نور انعكست على وجهيهما صدمة المُصاب ، مُصابهم و مُصاب من معهم، صلاح، وقد نال جسده القسط الوفير من حرارة الحديد
أخرجني صوت عبد الله من توهاني بين الاحتمال والواقع والصدمة وهو يصرخ " لم يسعفنا أحد، تركونا ننزف وحيدين و ركضوا إلى مخابئهم "
لم يكن مالك على معرفة بأيّ منهم، لكنّه شُفي من الكريب الحاد، أظنّه كان يفكر ويقول " ما هو الكريب أمام الشظايا ؟ أنا في صحة جيدة " لذا فقد قرر أن يقارع سوداوية ذاك المشهد بمشهدٍ آخر " وإن يكن محض خيال "
تنقّلت مُسرعاً تارة مُبطئاً تارة بين أحدهم والآخر علّي أجد حروفاً ما تُخرجهم من خوفهم و تمسك بأيديهم لتصطحبهم في جولة على تخوم الأمل
أنا صلاح صادق من السويدا وجيت ألعب معكن بحلب:
بهذه الكلمات البسيطة عرّف نفسه أمام حشد من الأطفال المتحمّسين لبسمة قادمة من البعيد
دقت الساعة الثانية عشرة منتصف الليل لتُعلن عن ولوج عام جديد كما أعلنت أيضاً عن سنة بدأت بالنسبة لهم بجروح ونزف وبكاء، لم تُصب القنابل العنقودية الأطفال، فقد لملموا ضحكاتهم وانصرفوا بينما كان الطيار يتربّص بمن رسمها لهم .
صلاح في غرفة العمليات، الكادر الطبي في حالة استنفار لإنقاذ عُمر الشباب فيه ، صاحوا : " نريد دماء لإنقاذه "، كانت زمرة دمه A+ ، تبرع كثيرون، وكنت من ضمنهم ، لكنّ صلاح توفي وأخذ معه ما تيسّر من دمنا، أريدكم أن تفهموا أنني لم أكن أنانياً، لكنّي شعرتُ بالفخر لكونه ارتقى بدمي إلى رتبة علياء.
لن أتحدّث عن ظروف دفنه، لكنّني سأقول أنه توفي مرّتين، مرة عندما داهمه الموت على عجالة، فأخذه ممّا تبقّى من سنينه، ومرة عندما قتلته الطائفية والتعصب الديني، فدُفن كما لم يُدفن أحد، حسبُه أنه كُفّن بعلم الاستقلال الذي آمن به .
زياد وحشرجة الذكريات :
ظنّاً منّي أنّي قد أجعله ينسى أنين شظاياه التي اخترقت قدميه وصدره بينما كان يُنقل من مشفىً إلى آخر، وجهت كاميرتي إليه و طلبت إليه أن يتحدّث ، سألته كيف تصف هذه اللحظات ؟ جاوبني بابتسامة " لم أجد لها تفسيراً " : شو بدي أوصفلك ؟ شوفة عينك يا خيي !
سهرتُ ومالك مع زياد ويزن " الذي أصيب بقدميه أيضاً " في ليلة رأس سنةٍ لم أشهد، ولم يشهدوا مثلها ، تخيّلت أن العد التنازلي سيبدأ وعند الوصول إلى الرقم 1 ستزيّن الألعاب النارية سماء حلب كما كان يحدث قبل سقوط المدينة في عبثية السلاح و الظُلمة
لكنّ حُلمي / الحُلم / بقي حلماً و سقط الواقع أمامي مضرّجاً بدمائه وحماقات الجريمة
يذكر زياد تلك اللحظات كما لا يذكر غيرها، كالمخاض ألماً تخرج الكلمات من ذاكرته السقيمة
" كنتُ مؤمناً أنّي لن أُصاب بمكروه ، وعلى هذه الفكرة كنتُ على الدوام أكمل نشاطي بحماقاته ومغامراته وخطورته، تلك اللحظة أحسست أنّ المُصاب قد وقع وأنا الآن بين الحياة والموت خطوة للوراء خطوتين للأمام، آمنتُ بعدها أن الأشياء السيئة قد تحدث ، لكنني تيقّنتُ حتماً أنّي مُستعدٌ للخوض في عبثية الاحتمالات مرّة أخرى، لا لأنني لا أخشى الموت، بل لأنّ سعادتي تكمُنُ في قُدرتي على التضحية من أجل قضية آمنتُ بها على الدوام " .