سائحٌ حلبيٌّ يزور حلب
في حلب تمرّ الليالي كما يمرّ الشهداء في مخيّلة من فقدهم :
خاطفةً حيناً و مؤلمة أحياناً
( النص منشور في جريدة " كُلّنا سوريّون " العدد 0 ) بتاريخ 15/2/2014
عارف حاج يوسف
القلب ينبض في مكانٍ غير مكانه، الروح تمتلئ بصراعات داخلية بين الخوف والشجاعة والعزم، والعقل مشغولٌ بالبحث عن الفرق بين الحقيقة والخيال، الأراضي السورية على مرمى حجر، والمجهول ينتظرنا ليسرق منا شيئاً، أتمنى أن يكون رخيصاً، كبطاقة هويتي السورية مثلاً!
ثقيلٌ يمرّ الوقتُ كأنه ريحٌ مُحمّلةٌ بذكريات أيامٍ خَلَت، بقذيفة الهاون التي سقطت فحصدت، بسهرةٍ في الزبدية على ضوء شمعةٍ لم تنطفئ.. وثلاثة كؤوسٍ من الـ "ميراندا" لعدم توفّر المشروبات الأخرى، بمظاهرة تهتف ما يردد أبو مريم "إسلام ومسيحية بدنا نبيد الأسدية" ورقصة المتكاتفين.
وطنٌ ومُخيّم:
تُركيٌّ من "الجاندرما" أو حرس الحدود يدمغ على جواز سفري ختماً معلناً خروجي من بلده ودخولي إلى الوطن ـ المحرقة - على مرآنا علمُ الاستقلال السوري ذو الثلاث نجمات ولغة الضاد بدأتُ أيضاً أسمعها بكثافة، سنتّجه إلى المُخيّم حيث تقيمُ التغريبة السورية في أبهى حِللها.. أطفالٌ يلبسون "جزمات" لتقي أرجلهم الصغيرة من الوحل والطين يقفزون أمام كاميرتي علّي ألتقط لهم صورة وأعرضها على "الجزيرة"، إنه مخيم باب السلامة حيث اعتاد النازحون على ما هم عليه، فهم النازحون المُخضرمون (كيف يعيش هؤلاء هنا؟) هرِمٌ هذا المخيم كقاطنيه الذين مرّ على وجودهم سنة ونصف، على الطابور الطويل يصطفّ الأطفال حاملين بأيديهم الخشنة ـ بعد معيشة العراء ـ صحوناً وطناجرَ فارغة ليملؤوها ببعض الغداء، لقد كسب يوسف المعركة مع الصغار فقد استطاع اقحام نفسه في مقدّمة الطابور وتعبئة ما حمل ببعض الرزّ والخبز فهو كما قال لي: "جائع، ولا يريد أن يصطف في الطابور الطويل لألّا يموت من الجوع قبل وصول دوره".
مدرسةٌ إبتدائية داخل القماشة المهترئة، سوقٌ للخُضار والفاكهة وبائعٌ للمازوت، عاملٌ في صيانة الهوائيات (الدشّات)، بقالية داخل إحدى الخيم قسمها صاحبها إلى قسمين، قسمٌ للعمل والبيع والباقي للعائلة والنوم (لكم أن تتصوّروا كم تبلغ مساحة الباقي) وباقةٌ من الظروف المعيشية السيئة كانوا قد اعتادوا عليها كأسلوب حياة وأخشى ما أخشاه أنّهم ألِفوها لكونها بيوتهم الجديدة بعد أن خسروا بيوتهم التي صنعوها من حجر وبلاط واسمنت في مدنهم وقُراهم.
في المخيّم الآخر - الجديد - بالقرب من قرية شمّارين الحدودية الذي جُهّز ويجهّز خصّيصاً للنازحين الجدد من مدينة حلب بعد هولوكوست البراميل الذي أحرق الحجر والشجر والبشر، فخرجوا تحت وابل الموت المُتساقط الذي يشبه المطر حرفياً، لم أستطع تفسير نظراتهم إليّ وإلى المتطوّعين في العمل الإنساني وإلى المُخيّم وإلى السيارات التي تأتي بالمعدّات لتجهيز المخيم الجديد، أظنّهم كانوا يفكرون : "هل سنقضي ما تبقّى من عُمرنا هنا؟ في هذه الأرض الترابية التي ستتحول لطينيّة قريباً؟ وبيوتنا التي تركناها خلفنا؟ ألن نعود؟" نتحدّث قليلاً إلى المسؤول التنظيمي فيقول: "يوجد ألفَي نازح حتى الآن والمتطوّعون يصلون الليل مع النهار من أجل تجهيز المُخيّم بالكامل، القدرة الاستيعابية تصل حتى سبعة آلاف نازح" ثم يتابعُ رداً على سؤالٍ من أين ستأتون بالخمسة آلاف نازح؟: "سيأتون، لا تخف!"
مدينة الأشباح والأنقاض:
سيلتفّ أبو أحمد سائق التكسي بسيّارته حَوْل مدينة اعزاز لألّا يمرّ منها وهي تقع تحت سيطرة داعش، لأن داعش كما قال أبو أحمد: "متلها متل النظام!"
بدأت أسئلتي السياحية، فالمدينة التي أنتمي لها يُمكن أن تتغيّر كُلّياً بين ليلة و ضحاها، لذا فالشهران اللذان قضيتهما خارجها كانت كافية لتحويلي إلى صحفي أجنبيّ يدخل إلى سوريا للمرة الأولى بهواجس خوفٍ وقلقٍ وحذرٍ وفضول: "هل يقصف الطيران الريف أيضاً؟ ما هي نسبة الخطر في المدينة ليلاً؟ ما هو العدد التقريبي للبراميل المتساقطة يومياً؟ كم بقي من المدنيين؟ ما هذا الصوت؟!"
عند حاجز لـ "لواء التوحيد" أحد أكبر الألوية المقاتلة في حلب، والذي يخوض حرباً مزدوجة ضد النظام وداعش، تقدّم إلينا أحد الشباب صغار العُمر ليطلب بطاقات الهويّة وعندما مددنا أيدينا باتجاه جيوبنا قال: "ما في داعي.. الله معكم.. شوية تشديدات أمنية.. لا تآخذونا!"
في حلب يُمكنني أن أصف ما رأيته بأنه "الكارثة" أحياء الحيدرية والشعار وطريق الباب خاوية على عروشها إلا ممّن لا يمتلكون مكاناً ينزحون إليه أو بقوا لأنّهم يُفضّلون الموت في بيوتهم على أن يقتلهم برد المخيّمات كحال عائلة أبو أحمد سائق التكسي التي بقيت في حي الحيدرية الذي يُقصف يومياً: "أفضل كرامة الموت في بيتي على الذلّ خارجه، والله هو الحامي" تمديدات المياه الأرضية قد أصابها صاروخ طائش فانطلقت المياه في تظاهرات عمّت شوارع الحي ولم تجد من يقمعها! حسناً.. من أجل الإنصاف: كانت الكهرباء متواجدة، استغربتُ من وجودها، فكيف يقصفونهم بالبراميل نهاراً ويمنّون عليهم بالكهرباء ليلاً؟ أم أنّه أحد مشاريع الدعم النفسي!
في القسم الغربي من القوس المحرر يبدو الوضع أفضل حالاً، فأحياء المشهد والأنصاري والسُكّري كانت قد قُصفت أيضاً، لكن الفرق بين خمسة براميل وعشرة هو شاسعٌ ولم يدفع الجميع إلى النزوح، كان جليّاً أن الأمان الليلي أصبح أكثر من نظيره النهاري لذا فنشاطات البيع والشراء والتبضّع والزيارات العائلية وألعاب الأطفال والمواعيد الغرامية تتمّ ليلاً، بضع قذائفَ من الهاون تُعتبَر هنا شكلاً من أشكال الحياة الطبيعية الخالية من القصف!
ما بين موتٍ وموت.. وبادرة حياة:
في حلب تمرّ الليالي كما يمرّ الشهداء في مخيّلة من فقدهم: خاطفةً حيناً ومؤلمةً أحيان، في حلب أقوى على الحياة.. رُبّما الحياة الطبيعية لم تعُد مُلائمة لمن اعتاد الحياة في الحرب، رأيتُ هذه المدينة وأراها في عيون من صمدوا: السائق أبو أحمد المُقاوم للموت، مقاتلون بذلوا الأرواح في سبيل الحرية من كل أنواع الديكتاتوريات، أطباء وممرضون آثروا كلّ شيءٍ على وظائف في بلدان أخرى آمنة وبرواتب باهظة، إعلاميّون وصحفيّون لم يصبهم اليأس، نشطاء الإغاثة والخدمات، بيت الفلافل: المطعم الأفضل في الجزء المحرر و الذي استمرّ استمرار الثورة.
في حلب: للحديث بقيّة ـ طويلة حتماً ـ.
في حلب تمرّ الليالي كما يمرّ الشهداء في مخيّلة من فقدهم :
خاطفةً حيناً و مؤلمة أحياناً
( النص منشور في جريدة " كُلّنا سوريّون " العدد 0 ) بتاريخ 15/2/2014
عارف حاج يوسف
القلب ينبض في مكانٍ غير مكانه، الروح تمتلئ بصراعات داخلية بين الخوف والشجاعة والعزم، والعقل مشغولٌ بالبحث عن الفرق بين الحقيقة والخيال، الأراضي السورية على مرمى حجر، والمجهول ينتظرنا ليسرق منا شيئاً، أتمنى أن يكون رخيصاً، كبطاقة هويتي السورية مثلاً!
ثقيلٌ يمرّ الوقتُ كأنه ريحٌ مُحمّلةٌ بذكريات أيامٍ خَلَت، بقذيفة الهاون التي سقطت فحصدت، بسهرةٍ في الزبدية على ضوء شمعةٍ لم تنطفئ.. وثلاثة كؤوسٍ من الـ "ميراندا" لعدم توفّر المشروبات الأخرى، بمظاهرة تهتف ما يردد أبو مريم "إسلام ومسيحية بدنا نبيد الأسدية" ورقصة المتكاتفين.
وطنٌ ومُخيّم:
تُركيٌّ من "الجاندرما" أو حرس الحدود يدمغ على جواز سفري ختماً معلناً خروجي من بلده ودخولي إلى الوطن ـ المحرقة - على مرآنا علمُ الاستقلال السوري ذو الثلاث نجمات ولغة الضاد بدأتُ أيضاً أسمعها بكثافة، سنتّجه إلى المُخيّم حيث تقيمُ التغريبة السورية في أبهى حِللها.. أطفالٌ يلبسون "جزمات" لتقي أرجلهم الصغيرة من الوحل والطين يقفزون أمام كاميرتي علّي ألتقط لهم صورة وأعرضها على "الجزيرة"، إنه مخيم باب السلامة حيث اعتاد النازحون على ما هم عليه، فهم النازحون المُخضرمون (كيف يعيش هؤلاء هنا؟) هرِمٌ هذا المخيم كقاطنيه الذين مرّ على وجودهم سنة ونصف، على الطابور الطويل يصطفّ الأطفال حاملين بأيديهم الخشنة ـ بعد معيشة العراء ـ صحوناً وطناجرَ فارغة ليملؤوها ببعض الغداء، لقد كسب يوسف المعركة مع الصغار فقد استطاع اقحام نفسه في مقدّمة الطابور وتعبئة ما حمل ببعض الرزّ والخبز فهو كما قال لي: "جائع، ولا يريد أن يصطف في الطابور الطويل لألّا يموت من الجوع قبل وصول دوره".
مدرسةٌ إبتدائية داخل القماشة المهترئة، سوقٌ للخُضار والفاكهة وبائعٌ للمازوت، عاملٌ في صيانة الهوائيات (الدشّات)، بقالية داخل إحدى الخيم قسمها صاحبها إلى قسمين، قسمٌ للعمل والبيع والباقي للعائلة والنوم (لكم أن تتصوّروا كم تبلغ مساحة الباقي) وباقةٌ من الظروف المعيشية السيئة كانوا قد اعتادوا عليها كأسلوب حياة وأخشى ما أخشاه أنّهم ألِفوها لكونها بيوتهم الجديدة بعد أن خسروا بيوتهم التي صنعوها من حجر وبلاط واسمنت في مدنهم وقُراهم.
في المخيّم الآخر - الجديد - بالقرب من قرية شمّارين الحدودية الذي جُهّز ويجهّز خصّيصاً للنازحين الجدد من مدينة حلب بعد هولوكوست البراميل الذي أحرق الحجر والشجر والبشر، فخرجوا تحت وابل الموت المُتساقط الذي يشبه المطر حرفياً، لم أستطع تفسير نظراتهم إليّ وإلى المتطوّعين في العمل الإنساني وإلى المُخيّم وإلى السيارات التي تأتي بالمعدّات لتجهيز المخيم الجديد، أظنّهم كانوا يفكرون : "هل سنقضي ما تبقّى من عُمرنا هنا؟ في هذه الأرض الترابية التي ستتحول لطينيّة قريباً؟ وبيوتنا التي تركناها خلفنا؟ ألن نعود؟" نتحدّث قليلاً إلى المسؤول التنظيمي فيقول: "يوجد ألفَي نازح حتى الآن والمتطوّعون يصلون الليل مع النهار من أجل تجهيز المُخيّم بالكامل، القدرة الاستيعابية تصل حتى سبعة آلاف نازح" ثم يتابعُ رداً على سؤالٍ من أين ستأتون بالخمسة آلاف نازح؟: "سيأتون، لا تخف!"
مدينة الأشباح والأنقاض:
سيلتفّ أبو أحمد سائق التكسي بسيّارته حَوْل مدينة اعزاز لألّا يمرّ منها وهي تقع تحت سيطرة داعش، لأن داعش كما قال أبو أحمد: "متلها متل النظام!"
بدأت أسئلتي السياحية، فالمدينة التي أنتمي لها يُمكن أن تتغيّر كُلّياً بين ليلة و ضحاها، لذا فالشهران اللذان قضيتهما خارجها كانت كافية لتحويلي إلى صحفي أجنبيّ يدخل إلى سوريا للمرة الأولى بهواجس خوفٍ وقلقٍ وحذرٍ وفضول: "هل يقصف الطيران الريف أيضاً؟ ما هي نسبة الخطر في المدينة ليلاً؟ ما هو العدد التقريبي للبراميل المتساقطة يومياً؟ كم بقي من المدنيين؟ ما هذا الصوت؟!"
عند حاجز لـ "لواء التوحيد" أحد أكبر الألوية المقاتلة في حلب، والذي يخوض حرباً مزدوجة ضد النظام وداعش، تقدّم إلينا أحد الشباب صغار العُمر ليطلب بطاقات الهويّة وعندما مددنا أيدينا باتجاه جيوبنا قال: "ما في داعي.. الله معكم.. شوية تشديدات أمنية.. لا تآخذونا!"
في حلب يُمكنني أن أصف ما رأيته بأنه "الكارثة" أحياء الحيدرية والشعار وطريق الباب خاوية على عروشها إلا ممّن لا يمتلكون مكاناً ينزحون إليه أو بقوا لأنّهم يُفضّلون الموت في بيوتهم على أن يقتلهم برد المخيّمات كحال عائلة أبو أحمد سائق التكسي التي بقيت في حي الحيدرية الذي يُقصف يومياً: "أفضل كرامة الموت في بيتي على الذلّ خارجه، والله هو الحامي" تمديدات المياه الأرضية قد أصابها صاروخ طائش فانطلقت المياه في تظاهرات عمّت شوارع الحي ولم تجد من يقمعها! حسناً.. من أجل الإنصاف: كانت الكهرباء متواجدة، استغربتُ من وجودها، فكيف يقصفونهم بالبراميل نهاراً ويمنّون عليهم بالكهرباء ليلاً؟ أم أنّه أحد مشاريع الدعم النفسي!
في القسم الغربي من القوس المحرر يبدو الوضع أفضل حالاً، فأحياء المشهد والأنصاري والسُكّري كانت قد قُصفت أيضاً، لكن الفرق بين خمسة براميل وعشرة هو شاسعٌ ولم يدفع الجميع إلى النزوح، كان جليّاً أن الأمان الليلي أصبح أكثر من نظيره النهاري لذا فنشاطات البيع والشراء والتبضّع والزيارات العائلية وألعاب الأطفال والمواعيد الغرامية تتمّ ليلاً، بضع قذائفَ من الهاون تُعتبَر هنا شكلاً من أشكال الحياة الطبيعية الخالية من القصف!
ما بين موتٍ وموت.. وبادرة حياة:
في حلب تمرّ الليالي كما يمرّ الشهداء في مخيّلة من فقدهم: خاطفةً حيناً ومؤلمةً أحيان، في حلب أقوى على الحياة.. رُبّما الحياة الطبيعية لم تعُد مُلائمة لمن اعتاد الحياة في الحرب، رأيتُ هذه المدينة وأراها في عيون من صمدوا: السائق أبو أحمد المُقاوم للموت، مقاتلون بذلوا الأرواح في سبيل الحرية من كل أنواع الديكتاتوريات، أطباء وممرضون آثروا كلّ شيءٍ على وظائف في بلدان أخرى آمنة وبرواتب باهظة، إعلاميّون وصحفيّون لم يصبهم اليأس، نشطاء الإغاثة والخدمات، بيت الفلافل: المطعم الأفضل في الجزء المحرر و الذي استمرّ استمرار الثورة.
في حلب: للحديث بقيّة ـ طويلة حتماً ـ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق